الشهيد الثاني
17
الفوائد الملية لشرح الرسالة النفلية
وأمّا الملفوفة فهي كناية عن حرمان معظم الثواب ، بحيث يضمحلّ ما يحصل في جانب الفائت وينزل منزلة العدم ، لكثرة الفائت وجلالته ، لا لعدم الحاصل ، جمعا بين ذلك وبين ما دلّ على التلازم من الدلائل العقلية المقرّرة في الكلام ، الدالَّة على أنّ امتثال التكليف لا بدّ أن يستتبع الثواب ، لئلَّا يكون عبثا ، مع الإجماع على أنّ الإقبال بالقلب على العبادة لا تتوقّف صحّتها عليه . وحديث الرفع ( 1 ) أقرب إلى التأويل من حديث القبول ( 2 ) ، لجواز كونه كناية عن اعتبار العبادة في نظر الشارع ونظر الله تعالى إليها ورفعه لشأنها وإن حصل بها أصل الثواب بدونه . ومن الجائز كون القبول والرفع موجبين للتفضّل بأجر زائد على ما يستحقّ من الثواب الحاصل من الإجزاء ، وكون الملفوفة كناية عمّا لا تفضّل بسببها أصلا . وأمّا سؤال إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، فقد وقع بما هو واقع ومتحقّق ، وهو قولهما : * ( رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ) * ( 3 ) مع أنّهما كانا مسلمين ، وسؤال الواقع واقع انقطاعا وتعبّدا . ويجوز أن يريد بالمطلوب من القبول والإسلام الفرد الكامل منهما ، وإطلاق أصل الحقيقة على الفرد الأكمل منها واقع أيضا ، وهو أولى وألصق بمقام الدعاء ، ومثله القول في قبول عمل المتّقين . وأجيب ( 4 ) عنه أيضا بأنّ المراد بهم المؤمنون ، كما نبّه عليه تعالى بقوله : * ( وأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى ) * ( 5 ) وبأنّ المراد : المتّقين في نفس ذلك العمل ، بحيث لا يقع في معصية ، وهو بصورة العبادة ، كالمتصدّق بما سرق زاعما أنّ الحسنة بعشر أمثالها ، والسيئة بمثلها ، فيفضل له تسعة أمثال .
--> ( 1 ) تقدّم في الصفحة : 16 ، الهامش ( 1 ) . ( 2 ) تقدم في الصفحة : 16 ، الهامش ( 2 ) . ( 3 ) « البقرة » 2 : 128 . ( 4 ) « تفسير القرطبي » 2 : 126 . ( 5 ) « الفتح » 48 : 26 .